العنوان كأنه كابوس من بقايا
أسطورة الحب والجرح،لكن
بنبض معاصر،مازال متوهجا مفتوحًا نازفًا.
وهذا رهان النص الأقوى والأنفذ
طراوة التجربة ..بَشريتها، صدق عواطفها وتحولاتها
النازفة
والسؤال كيف ولماذا؟
حبّنا مرحلة,
بدأتْ في ولادة ذاتي
ويختمها الموت
أو ساعة المقصـلة
......
المقطع الشعري الأول، صيغ بضمير المثنى، تيمة(الحب والموت) وعجائبيته أنه ومضة خاطفة، لحظة غريبة ناشزة لم تكن خالدة،شبهها الشاعر لسرعتها بلحظة الولادة،وبلحظة الموت الخاطفة التي لاتمهل.. أو ببشاعة قطع الرأس بالمقصلة.
كل شيء غريب :الحب غريب لأنه رهين بزمن قصير، بلحظة جمعت بين عاشقين ثم رحلا، غريب أمر الولادة والموت،
لأن الولادة داخلية لمخاض داخلي ذاتي لتجربة خاصة، الأمر غريب لأنه لابد من نهاية مأساوية بالموت أو المقصلة، ولا خيار، فاختر موتك مادام الحب ليس سوى مرحلة عابرة وقد ولدت الذات بها! .والأغرب يذكرهما الشاعر ( الموت وساعة المقصلة)كمتلازمتين ونحن مازلنا في زمن بداية الحدث،فجاء السرد استباقيا ،لأنه بهذه المقدمة سينتهي أيضا، ولأنه بهذه المقدمة يكون الشاعر ذكيا جدا في الدلالة على أنها مرحلة، نقطة بداية لكل شيء ،لكنها لم تطل ،مما يجعل القصيدة ذات طابع سردي دائري مغلق ،رهينة بين الموت حتف الأنف أو قطعا رهيبا بالمقصلة ،ليبين شراسة الفراق، وكأن الرأس انفصلت بالمقصلة عن الجسد . وهل يبقى بعدها حياة وروح وإنسان فضلا عن السعادة !
وتبدأ قصة الحب سرًّا بذرة، ذوق أغنيات خرافية ،حب فوق الوصف ، وبعدها يعلن جهرًا عنه ،يلتف بكرٍا ثم يعطي ثماره سنبله,
حبا غامرا خرا فيًا ..فمن يصدق هذا الوله العجائبي!
حبّنا العمر
والسر والجهر
والبذرة البكر والسنبلة
وأظل أفتش بين رفوف المشاعر
عن أغنيات تناسب ذوق العذاب الخرافي
تصدقُ في وصفِ هذا الوله
.........
وتتكرر اللازمة الأسطورة المعاصرة في ما يشبه جملة,,,
"حبنا مرحلة"
ويبدأ الحب يغوص في نتوءات الواقع والتحديات
وهذا هو رهان قوة المصداقية في الحب ، أن يكون قلب العاشقين مسكونا بالحب وبعده فليعمَّ العالم الخراب. فلا قوة يمكنها اختراق جدارية الحب الحقيقي ، لكن ما حصل هو سفر في دقائق ثم أنين سكتة مهملة ! ووجع وصدأ ولسعة،أفعال حسية طافحة بصور المعاناة والتهميش واللامبالاة ، طافحة بالحركة التي بدأت بسفر في الماضي ورافقه في الحاضر كومة من المتاعب العجاف
أيها العاشق ذق عذاباتك لوحدك ولا عزاء لك أو عليك!
كان الشاعر هنا خرافيا أسطوريا في قبضته المتمرسة بالشعر على كلمات الجرح المعاصر،الشاعر هنا مخزون مسكون بذائقة شعرية مهولة
حبّنا مرحلة
سافرت في دقائق عمري
قطارًا يغص بجرحى الحروب
ويثقله وجع الراحلين
ويأكله صدأ السنوات العجاف
وتلسعه عثرات الدروب
وتقلقه أنة السكة المهملة
............
ويبدأ لون جديد من البوح تنكشف صورة الحب الأسطوري،تتحدد معالمه
ويتناص الشاعر مع طيور أسطورية كالعنقاء أو الرخ ليؤكد أن الحب يولد في الصقيع ويموت في القيظ ،يموت كما يولد من أشلائه كما الرخ والعنقاء ، فأي قدرة شاعرية تصويرية خيالية، صهرت كل هذا وقدمته بسلاسة لايقدر عليها إلا شاعر أصيل, ويعيش الحب لحظات عنقاء، ذهابا وإيابا، موتًا ..وولادة ..وموتا،كأننا أمام سيزيف جديد،ولاجواب مقنع ممن أحب
تقول رعد وبرق،تروغ..ولانملك إلا الصمت أمام هذه الأعذار!
حينما أستطيع الرجوع إليك
على متن عنقاء
أو بين سربٍ من الرخّ
أصبح أسطورةً في المجيء
كما كنت أسطورةً في الذهاب
هل ترى سيكون لديك جواب
أم تقولين :
رعدٌ وبرقٌ
وريحٌ تجرّالسحاب
كيف إن سألوك
تروغين من هجمة الأسئلة؟؟
................
لكن الشاعر يخيب أفقنا ،يخيب توقعات الحبيبة، وماأجمل هذا البوح الذي ما له إلا دلالة الحب والجرح،الذي يجعله أكبر ...أكبر....أكبــر،الحب أكبر...فانتظري/وا.. موتًا بحجمه...موتًا أكبر.
من توقع هذا الاحتمال الشامخ الأسطوري! النفوس العظمية الكبيرة لاتقدم إلا ما هو أعظم حتى في جرحها حتى في موتها!
وإن كنا في ريب فها الشاعر الكبير يبوح عاشقا كبيرا، يبوح بما عاناه
كل شيء فيه كان مقيدًا : ساعده ،لسانه،جوعه،والقيد أكبر أكبر
والأدوات أكبرمن لحمه ودمه،خنجر وبندقية وسيف، ومعسكر، وخيانات،
كل هذا أكبر، لأن الحب أكبر، والقضية أكبر !
حبنا الآن أكبر
موتنا الآن أكبر
ساعدي قد لووه
وشدّوا لساني بنسعة جوعي
وقد لوّحوا لي بخنجر
..وجع القيد يكبر
هاهي البندقية
في يد حاملها تتحجّر
آه من غدرة السيف
إذ يتسلل من غمده في الظلام
وفي غفلة من عيون المعسكر
يبحث عن صدر صاحبه
يتربص كي يقتله..
.........................
وتبدأ ملامح القضية المعشوقة تتكشف، طفولة واغترابات، محطات وقطارات ومعابر مقفلة، فلا عبور إلى محبوبتك، فعد بحسرتك ودموعك
ويبتلعها الشاعر غصة، ونرتشفها معه مريرة،كبيرة وصعبة،فما حبهما إلا...
"حبنــامرحلــة"
وَقَفَـتْ في فناء الليالي الدقائق
جامدةً كالتماثيل
باردةً كالحجارة
في كهوف الصقيع
مضرّجة بالمرارة
وأنا أتأرجح بين القطارات
طفلاً لعصرٍ أضاع صغاره
قد تحن المحطّات حينًا عليه
تداعبه
ثم تلفظه ..
وهي تعلم أن المعابر في وجهه مقفلة
ليعود يغني على وقع دمعته المرسلة
حبنا مرحلة
........
ويدخل بنا الشاعر إلى عمق خصوصية الجرح ، يستحضر شخصيات ووعودًا وذكريات وأيامًا خالها من زمن الكرم الحاتمي والوفاء العذري، ويقدم لوحات وصورًا فنية تجمد الزمن والعواطف،يصبح وجه البحار جامدا وتنسى النوارس الشادية،يتلون وجه الصديق وجسر الحكايات،تغيب الحماسة وتحضر العنجهية والجاهلية،وينأى الفجر واحتمالات الشرورق، حين تباع القضية والعاطفة للأرعن والأخبث، يعلن الشاعر رد فعل يناسب أسطورية الحب ،سيغني مهما انهار بيت وانفجرت قنبلة حقيقية أو رمزية هذه المعاني ، لكن رد الفعل أجمل، الغناء"حبنامرحــلة"
وهذا هو العزف
حينما يتجمد وجه البحار
وتنسى نوارسها
وتخبىء حُلْيِ عرائسها
ثم تخنق حلم المراكب
قبل السفر
حينما يتلوّن وجه الصديق
ويغلق كل المسارب
كل المنافذ
كل الشقوق
وينسف جسر الحكايات
ينسى دواوين شعر الحماسة
يمتشق العنجهية
يدخل ثانيةً نفق الجاهلية
يأبى على الفجر
أن يمنح الآخرين احتمال الشروق
حينما يلعن القاعدون القعود
ويهجو الذي خان أهل الخيانة
حينما يتسابق للغدر
من يدّعون الأمانة
سأغني لها كلّما انهار بيتٌ
أو انفجرت قنبلة
حبنا مرحلة
............
وتبدأ أسئلةالوعي الشقي ، يُسائل العنجهية وطروحاتها الشاذة،هل يأتي الإنسان مع المطر وعاصف الريح ،هل يسقط من السماء ، هل يأتي من خارج الأرض ، لا حتما،هو ابن الأرض والزيتونة، له جذور وبيت وقمر وشرفة
له انتماءاته المقدسة، فلم يستطع أحد مسح هذه الذاكرة،ولن يستطيع أحد إيقاف أغنية العشق للأرض الحبيبة:
هل يظنّون أني أتيت مع النوء
أو عاصف الريح
أو قد تساقطت في قطرةٍ من مطر..!!
ما دروا أنني كنت فيما مضى مثلهم
لـِيَ أرضٌ
وللدار بابٌ وأغنيةٌ وليالي سمر
كان مبتدأ البيت
زيتونةً
وظلال الدوالي خبر
ما دروا
أنني
كان يغفو على شرفاتي القمر ..
.... هم .. يقولون ..
لكنني ..
سأظل أغني لأرضي
وقافيتي بالشجا مثقلة..
..........
وكما بدأ الشاعر ينتهي، الدائرة مغلقة محكمة، الشاعر ولد في قصة وجود عابر، تتقلص فيه مسافاته بين الولادة والموت.. إقصاء، لكن كل شيء جميل كل قضية وجودية هي أكبر من الزمان، أكبر من الحياة أكبر من الموت ستبقى ..أكبر
والله أكبر
كنت هنا مع شاعر أكبر من كلماتي،لحظات العبور هنا كانت خرافية أسطورية ، كنت فيها بين حياة وموت أكبر، أتنفس صقيعًا ودمًا وعشقًا بصعوبةٍ أكبر
حبنا مرحلة
بدأتْ في ولادة ذاتي
ويختمها الموت
أو ساعة المقصلة
......................
دمت وقضياك ورهاناتك ورؤاك وشاعريتك ، أكبر
ونبقى كلنا مرحلة عابرة للخلاص الأكبر..